الشيخ محمد آصف المحسني

41

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

وهنا خلاف آخر بينهم وهو جواز التقليد - أي قبول قول الغير بلا دليل - في أصول الدين وعدمه ، فالمشهور المعروف من مذهب أصحابنا هو الثاني ، وذهب جماعة منهم المحقق الطوسي إلى الجواز ، وذهب طائفة إلى حرمة النظر « 1 » ، وفصل سيّدنا الأستاذ الحكيم - دام ظله - فجعل الأظهر القول الأول مع خوف الضلال بدون النظر ، والثالث مع خوفه به ، والثاني على تقدير الأمن من النظر وعدمه « 2 » ، ولكنه ليس مخالفا للقول الآتي كما لا يخفى ، لكن تنجّز هذا الحكم موقوف على التفات المكلف إليه ، فافهم . وذهب صاحب القوانين والشيخ العلامة الأنصاري « 3 » - رحمهما اللّه - إلى كفاية حصول الجزم وإن كان من التقليد . أقول : القائل بجواز التقليد إن أراد كفاية التقليد مطلقا وإن لم يكن مفيدا للجزم فهو مقطوع الفساد عقلا ؛ لعدم زوال الخوف بمجرّد متابعة الغير والبناء على قوله ، وشرعا ؛ لعدم صدق العلم عليه وعدم كون المقلد عالما بمجرّد تقليده ، مع اعتباره في صحّة الإيمان كما ينطق به القرآن العزيز . إلا أن يقال : إنّ هذا الكلام يتمّ في ما يتوقّف عليه الدين لا في غيره من المعارف ، فإنّ ما دلّ على اعتبار التقليد في الفروع يشمل الأصول أيضا ، فيكون الظن الحاصل منه أو البناء على ما يقول المقلّد - بالفتح - علما ومعرفة تعبدا وتنزيلا ، فلا ينافيه العمومات النقلية الدالة على عدم اعتبار الظن ولزوم تحصيل العلم ؛ ولذا ذكر سيدنا الأستاذ الحكيم « 4 » - دام ظله - أنّ العمدة في منع التقليد في أمثال هذه المعارف هو الإجماع المستفيض النقل . قلت : استناد الإجماع المذكور إلى الوجوه الآتية إن لم يكن معلوما فلا أقل من كونه محتملا ، فهو ليس بإجماع تعبدي معتبر ، وجواز التقليد في حقّ من يتمكّن من تحصيل الجزم يشكل استفاده من أدلة جواز التقلدى الشرعية كما قررناه في محلّه هذا مع أن المراد بالمقلّد - بالفتح - هنا ليس هو المجتهد الجامع للشرائط المذكورة في الفقه ؛ حتى يشمله الأدلة الدالة على حجّية التقليد في الفروع ، بل كل من كان ثقة وفائقا بزعم المكلّف ، وإن كان جاهلا في الواقع ، فيشمل الخطباء الواعظين والأبوين والمعلم ونحوهم كما يظهر من المحقق القمي قدّس سرّه أيضا . نعم مثل هذا التقليد لا يتيسر للمتفطنين الملتفتين إلى احتمال خطأ المقلد المذكور ؛ إذ لا يحصل لهم

--> ( 1 ) القوانين 2 / 167 . ( 2 ) مستمسك العروة ( الطبعة الأولى ) 1 / 51 . ( 3 ) رسائل الشيخ 1 / 312 . ( 4 ) المستمسك 1 / 51 .